السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
295
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
كانَ مَفْعُولًا » في أزله ومقدرا في مقدرته بأن يكون هذا المكان وهذا الزمان وإنما كان كذلك أيها المؤمنون « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ » رآها وعبرة عاينها وعفة شاهدها وحجة قامت عليه « وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » كذلك « وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ » لأقوالكم سرها وجهرها « عَلِيمٌ ( 42 ) » بنيّاتكم وبما يقع لكم من النصر وعليهم من القهر . واذكر يا سيد الرسل لقومك « إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا » لتقوى قلوب أصحابك فيجرءوا عليهم « وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ » بسبب ضعف همة قومك ، ولجبنوا عن عدوهم وحدثتهم أنفسهم بالتراجع وتشتتت آراؤهم « وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ » فيما بينكم فصار منكم من يحبذ الإقدام ويرغب فيه ، ومنكم من يحبب الإحجام ويرغب عن اللقاء ، فتتصادم الآراء ويحصل الشقاق وتفكك عرى التوثق بينكم « وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ » وعصم قلوبكم من ذلك بسبب ذلك التقليل وأنعم عليكم بعد وقوع الخلاف المؤدي للهزيمة « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ 44 » يعلم ما يحصل فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع ، ومن يميل إلى الإقدام ومن يجنح إلى الإحجام « وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ » أيها المؤمنون « إِذِ الْتَقَيْتُمْ » معهم يقظة عند التحام وتراص الصفين « فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا » تأكيدا لرؤياك يا صفوة الخلق ليطمئنوا ويتحققوا أن ما تقوله لهم حق واقع لا محالة سواء عن رؤيا منامية أو مشاهدة عينية ، وهذه من أكبر النعم المقوية للقلوب الموجبة للإقدام عن رغبة ، إذ أراهم الجمع الكثير شرذمة قليلة . قال ابن مسعود قلت لرجل جني تراهم منه ، فأسرنا منهم رجلا ، وسألناه ، فقال نحن ألف « وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ » قبل اللقاء ليجرءوا على مهاجمتكم ، ولا يتقاعسوا عنها حتى إذا قدموا عليكم رأوكم كثيرا فيبهتوا ويرعبوا وتنكسر شوكتهم وتختل معنوياتهم ، فيغلبوا ، وإنما فعل اللّه تعالى هذا معكم ومعهم « لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا » مقضيا بهلاكهم . ومن مغزى هذه الآية عدا ما ذكر تعليم العباد بابا من أبواب الحرب ، وذلك بأن يجعل القائد غير المدافع قوته العظيمة من وراء ، ثم يتقدم لعدوه بقوة يسيرة ليغريه على الإقدام والهجوم طمعا بالغلب ، فيجابه هذه القوة اليسيرة بكل ما لديه